كتبت هذه القصة منذ أسبوع
كتبت هذه القصة منذ أسبوع
أرجو أن تنال إعجابكم
أمنية واحدة تكفي...!!
صعب عليّ تصديق ما رأيت صديقي عليه ... ما روعه قط في حياته موت أحد يعرفه بقدر ما أحزنه موت هذه الفتاة. لا أنكر أنه قد أوصاني عليها بشدة بوصفي طبيبها المختص بعلاجها، بل لا أنكر أيضاً شدة إلحاحه بعدم تركها لحظة، وبالسماح له بزيارتها في كل وقت وكل ساعة حتى في الأوقات الغير رسمية... ولكنني لازلت لا أصدق أنه من الممكن أن تنشئ علاقة حب في هذه الفترة الوجيزة من تعارفهما ... إنها لا تعدو إلا أن تكون تلميذة لجأت إليه في نهاية العام الرابع من دراستها ليشرح لها بعد الأمور المستعصية عليها... ولم تدم تلك الفترة إلا ثلاثة أسابيع فقط. وقد اعتبرت توصيته هذه بالاهتمام بها حين مرضت شهامة منه... فقد تعودت أن أراه رجلاً شهماً؛ يساعد الناس، كريماً ودوداً، مرهف الحس، رقيق المشاعر... وقد كنت أكره أن أرى الزمن قد هزمه وخيب آماله وهو الرجل الطموح الجسور، فما من شيء أوقفه عن بلوغ مطامحه. ولكن كلما أنظر إلى وجهه الآن أرى أنه من العسير عليه أن يقتنع أن ما حدث كان من الواقع في شيء!
لا زلت لا استطيع أن اصدق ما آل إليه صديقي... لم يبق من جسده إلا حطاماً بالية وعظاماً نخرة ... وحينما أجلس أمامه وأرى عينيه قد تورمتا من شدة الحزن، وانظر إلى حدقاته اللتان تترجحا في مقلتيه ولا يطبق عليهما الجفن أبداً، واتعجب لجسده الأهيف وهيكله الضاوي... واتعجب أكثر كيف يسهر ليله حزيناً ملتاعاً وقد اثقل الحزن كاهله وانقض السهر ظهره... حينما أرى كل ذلك تزداد حيرتي ولا أكف عن هز رأسي تعجباً وتمرداً على حاله ... واجدني في النهاية لا أملك إلا أن الملم جسده المسجي على الأرض، فأريحه في سريره واذهب لحالي...!
كنت شديد الرغبة في ان أسأله عن سر هذا الحزن العميق، ولكنني كنت كلما أرى سحابة الهم التي كانت تعلو وجهه اتراجع وأرجيء كلامي معه حتى يفيق مما هو فيه. و ذات يوم ذهبت إليه كعادتي ودلفت إلى حديقة منزله وقد ران عليها سكون يكاد يسمع فيه تنفس الورق بعد أن كان يسمع فيها زقزقة الطيور وهمس النسيم... فتح لي الخادم باب الفيلا ودخلت لأجده غارقاً في حزنه... وسمعت حشرجة في صوته من شدة الحزن حتى لكأنك تشعر أن حنجرته قد سدت ... ورأيته قد رجع إلى الوراء زاغمض عينيه وشعرت أن يحاول أن يغلق ذهنه أيضاً، ولكن ذهنه كان قلقاً متيقظاً، ومحملقاً في صورة لا يبغى عنها حولاً... وتتساقط الدمعة تلو الأخرى من مقلتيه وهو مغمض العينين. فاض بي الكيل وانفجرت فيه غاضباً:
"إلى متى ستظل على هذا المنوال؟ لقد اهملت جسدك حتى صار كالهيكل الضاوي الذي لا يحتمل شيئاً، أو كأوراق الشجر المترنحة التي سرعان ما تذروها الرياح... وما يزيد من تعجبي أن موتها قد روعك كما لم يروع خطيبها... إنها لا تنتمي إليك من قريب أو من بعيد... كما انك لا تعرفها إلا منذ ثلاثة أسابيع فقط، ثم ماذا ترجو منها وهي لا تعرف حتى أنك تحبها؟؟؟!!"
فتح عينيه المغرورقتين بالدموع وقال:
- "إنه من العبث أن أروي لك ما يحزنني، فلا فائدة الآن... لقد ضاعت آمالي واحلامي، وانتهى كل شيء، وبدلاً من أن تزف لي، زفت للفبر وشيعت للموت والرماد".
- تزف إليك؟ كيف ذلك وهي فتاة مخطوبة. هل يضيرك أن تحكي لي كيف أحببتها في هذه الفترة؟ كيف بدأ الحب منذ ثلاثة أسابيع؟
- ثلاثة أسابيع؟!!!!! إني أحبها منذ بدأت أعرف معنى الحب، منذ بدأت أدرك أن للحياة قيمة ... كنا نسكن في الحي ذاته وكنت استيقظ كل صباح مبكراً لأراها... فقد كانت معتادة على الجلوس باكراً في شرفتها... كنا نتبادل الابتسامات، كنت مغرماً بها، بكل حركة تقوم بها، بكل كلمة تنطقها، بعينيها ... بنظراتها... وخيَل إليّ أنها أحبتني هي الأخرى.. وأقول خيَل إليّ، فلم أكن متأكداً من مشاعرها... فقد كنت وقتذاك شاباً فقيراً في الجامعة، لا يملك شيئاً سوى تفوقه وذكائه... أرادت الحياة أن ابتعد عنها... انتقلنا لمسكن آخر..ولكنه كان انتقالاً سطحياً فقط... قلبها كان معي في كل مكان انتقل إليه وحبها كان يلازمني، وسحرها وطيفها كانا ظلي الذي أسير به.
أدركت أنه من العبث أن اتقدم إليها، فقد كان والدها من ذوي الشأن في البلد، وكانت عائلتها من أصل تركي... هؤلاء الذين ينتمون إلى عائلات البشوات... وأنت تعرف كيف يفكر هؤلاء... ولذلك ما كنت اتمنى في حياتي قط سوى أن تظل خالية سنوات الجامعة حتى انهي دراستي واعمل بالجامعة. حينها سأكون ذي شأن مرموق، وحتماً سيوافق أهلها على زواجنا...
ستقول لي ولمَ لم تفاتحها وتصرح لها بحبك حتى تنتظرك وتضمن أنت بقائها خالية لك؟ ولكنني لم أشأ أن أفعل ذلك... وما أظن أحداً كان بلائمي إذا ما عرف شعوري... لم أرد أن أبقيها بجانبي وأنا لا أضمن حياتي... كما أنه كان من الممكن أن أصرح لها بحبي حينما كنا صغار نلهو مع بعضنا... فما أظننا في طفولتنا نندم على هفواتنا واخطائنا... أما وقد كبرت وصرت شابا يافعاً ناضجاً، وصارت هي فتاة ناضرة جميلة... وأصبح كلا منا يدرك قيمة الكلام والمشاعر، صار من العسير أن أصرح لها بحبي... ربما أيضاً كان خوفي من أن تصدمني بعدم حبها لي حائلاً يمنعني هو الآخر من أن أفضي بما في داخلي لها... فقد كان يرضيني أن أعيش على أمل أنها تحبني.. وكان يكفيني منها ابتسامتها ونظراتها المليئة بالحب والسعادة كلما مررت بنافذتها... ولم اكن اطمع في أكثر من ذلك... ولكن القدر قد بخل علىّ بهذه الأمنيات البسيطة أيضاً.
وبالفعل اتممت دراستي ونجحت بتفوق ... ولكن القدر قد سخر مني أشد سخرية ... ففي اليوم الذي عينت فيه معيداً بالكلية أسرعت إليها وبداخلي فرحة تشدو وقلب يرقص... لم أكن أعلم كيف سأعبر لها عن سعادتي وكيف سأقول لها أنني عينت، وكان أقصى ما يهمني ويسعدني أنني سأتقدم لها في اليوم التالي. وضحك القدر وسخر مني حينما علمت أن ذاك اليوم كان يوم قراءة فاتحتها! كم كان أليماً أن أسمع ذلك بعد هذا الانتظار المرير... حزنت كثيراً ولكن كان ما يصبرني هي تلك اللحظات التي كنا نبتسم فيها لبعضنا، وحسبي من الحياة هذه الهنيهات الخاطفة... وظللت على هذا المنوال فترة من الزمن أراها خلسة في الكلية وهي تدرس عندي، ولكنها لا تحس بوجودي... فقد كنت أكره أن يمس نفسها حزن منين أو أن يصيبها ضيق. حتى جاءت لي لأشرح لها بعض الدروس... وقد كانت هذه بالنسبة لي فرصة قل أن يجود بها الدهر... وكنت حينما أشرح لها الدرس اسرح في وجهها الصافي الناضر، وفي شعرها الأسود المسترسل، وكأنه الليل الجميل، وفي طيبتها المحفورة في قسماتها، وفي بسمتها الهادئة الخجولة المرتسمة على وجهها... وكانت هي بالنسبة لي كالملكة المتوجة على العرش وقد أشرأبت نحوها كل الأعناق من فرط جمالها وحسنها... ثم أدرك فجأة أنها فتاة مخطوبة، فأعود لتذكر الماضي الأليم، وذاك اليوم، يوم قراءة فاتحتها وكأن صرحه يقف بين أنقاض ذكرياتي شامخاً مضيئاً.
أطرق صديقي رأسه إلى الأرض وكأن شباب الدنيا كله قد خمد وانطفئ، فقلت له: - - وماذا بعد؟ أم أنك لا تستطيع أن تكمل؟
قال:
- لا شيء جديد ..فما حدث بعدها هو أنها جاءت إلى ذات يوم لتخبرني أنها نجحت بإمتياز، ثم سقطت فجأة على الأرض... فزعت لأجدها كالجثة الهامدة على الأرض وكأن النجوم قد انطفئ بريقها... وسرعان ما حملتها في سيارتي واحضرتها إليك في خوف وفزع...ظللت معها كما رأيت أنت أزورها في كل وقت وكل ساعة... لم أكن أريد أن أفارقها.
قلت له:
- ولكنني أخبرتك أنه لم يبق لها في الحياة سوى أيام قلائل، ومع كل هذا وجدتك قد فزعت حينما علمت بوفاتها...
- في الحقيقة لم أصدق أن حبيتبي ستموت! فلو تعلم انت سخرية القدر مني للمرة الثانيةلكنت صدقت كلامي.
حينما كنت أزورها في هذا الوقتكنا نتحدث كثيراً وكانت تحكي لي عن حياتها. وبالرغم أنني لم أرد قط أن أصارحها بشيء مما في داخلي... إلا أنني لم أجد نفسي إلا مسترسلاً في كلامي ومعبراً عن كل مشاعري... فحكيت لها كيف أن حبي لها كان أشبه بالحب الأفلاطوني، السامي الرفيع... ولدهشتي صرحت لي هي الأخرى بحبها لي، ثم ذكرت لي كيف أنها يأست من أن أتقدم لخطبتها واعتقدت أنني لا أحبها.. ولهذا وافقت على خطيبها... ساءني أن أسمع تلك الكلمات منها، وأنا الذي أحب بكل كيانه وعقله وجسده، ولكن أسعدني منها سؤالها حين قالت:
- أمازلت تريدني زوجة لك؟
- قلت لها: وما كان يهمني في الحياة غير ذلك.
-قالت: إذن سألغي خطبتي ونتزوج بعد أن أخرج من هنا..
خرجت من المشفى لا أصدق أن الدنيا قد ابتسمت لي أخيراً، وقلت في نفسي أنه إذا كان القدر قد حرمني لذة السنين الطوال، فلماذا لا استخلصها كلها من براثنه في أيام قصار... وقلت لنفسي أنه لربما تبتسم لي الحياة مرة أخرى وتعطيها فرصة أكبر للحياة معي ... ودعتها وهي تمسك بيدي وتضغط عليها مبتسمة وتؤكد لي أن والدتها في إنتظاري للتقدم لخطبتها!
وما كدت أخطو خارج المشفى حتى جائتني مكالمتك التي أكدت لي فيها أنها قد فارقت الحياة... يا أيها القدر العظيم! أشكرك على سخريتك بي للمرة الثانية! لو كنت رجلاً لكنت استطعت أن أفتك بك... ما هذه الحياة أ في لحظة يكون أحباؤنا ملء أبصارنا وملء أسماعنا... وفي اللحظة التالية يصبحون كأنهم عود كبريت قد انطفئ... أو رماد تذروه الرياح...؟!!!!
أ بعد كل ذلك ما زلت تجد الحزن والصمت قليلاً عليها؟!
أطرقت برأسي للأرض في حزن وأسى، وصمتت، فلا أعتقد أن شدة الحزن الذي أصابني قد يجعلني قادراً على الحديث... خلد كل منا إلى النوم، وفي صباح اليوم التالي، وجدت صديقي كما هو على كرسيه لا يتحرك، فتفقدته وادركت أنه فارق الحياة من فرط الحزن عليها ... ووجدت بجانبه رسالة حينما قرأتها خيل إلى أنه وهو يكتبها قد أمسك بالقلم بين ضلوعه لا بين أصابعه... يقول فيها:
"أيها القدر... لا أظنك قادراً على السخرية مني للمرة الثالثة... سآتي إليكِ يا حبيبتي... إن كنا قد افترقنا في الدنيا... فلا بد أن نجتمع في مكان آخر ... أِشعر أن روحي آتية!".
نظرت إلى الرسالة في ذهول، ورأيت أن الصمت الآن أبلغ من الكلام!
Publicité